كيف تتغلب على العقبات والعوائق التي تعترضك في العباده(الحلقة الثانية)

كيف تتغلب على العقبات والعوائق التي تعترضك في العباده(الحلقة الثانية)
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاه والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم النبيين والمرسلين :
أما بعد:---
أحبائي في الله هذه هي الحلقة الثانية من رحلتنا كيف تتغلب على العقبات والعوائق التي تعترضك في العبادة . وهنا نذكر العقبة الأولي وكيف نتخطاها .( العقبة الأولى وهي عقبة العلم )يقول الله عز وجل في كتابه العزيز*(الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير )* ويقول أيضا عز ولجل *( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )* إذا تأملت الآية الأولى سوف تجد أنها دليل كافي على شرف العلم خاصة علم التوحيد والآية الثانية دليل كافي على أن الله عز وجل لم يخلقنا إلا لنعبده . فالعلم والعبادة هما المقصود من خلق الدارين , لأجلهما أنزلت الكتب وأرسلت الرسل فهما جوهران , واعلم أن العلم أشرف الجوهرين وأفضلهما , ولذلك قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدني رجل من أمتي .والآيات والأحاديث على فضل العلم كثيرة . إذن بان لك أن العلم أشرف جوهرا من العبادة ولكن لابد من العبادة مع العلم وإلا كان علمك هباء منثورا فإن العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة ثمرة من ثمراتها فالشرف للشجرة إذ هي الأصل لكن الإنتفاع بما يحصل بثمراتها إذن لابد للعبد أن يكون له حظ من كلا الأمرين . والعلم أولي بالتقديم لامحالة لأنه الأصل والدليل ولذلك قال ( صلى الله عليه وسلم ) العلم إمام العمل والعمل تابعه . وإنما صار العلم أصلا متبوعا يلزمك تقديمه على العبادة لأمرين :الأمر الأول : أنه يجب عليك أن تعرف المعبود ثم تعبده فكيف تعبد من لا تعرفه بأسمائه وصفات ذاته وما يجب له وما يستحيل في نعته فربما تعتقد فيه وفي صفاته شيئا والعياذ بالله مما يخالف الحق فتكون عبادتك هباء منثورا .ثم عليك أن تعلم ما يلزمك فعله من الواجبات الشرعية على مأمرت به لتفعل ذلك وما يلزمك تركه من المناهي لتترك ذلك وإلا فكيف تقوم بطاعات لا تعرفها ما هي وكيف هي وكيف يجب أن تفعل أم كيف تجتنب معاصي لا تعلم أنها معاص حتى لو توقع نفسك فيها فالعبادات الشرعية كالطهارة والصلاة والصوم وغيرها يجب أن تعلمها بأحكامها وشرائطها حتى تقيمها فربما أنت مقيم على شئ سنين وأزمانا مما يفسد عليك طهارتك وصلواتك ويخرجهما عن كونهما واقعتين على وفاق السنة وأنت لا تشعر بذلك وربما يعترض لك مشكل ولا تجد من تسأله عن ذلك وأنت ما تعلمته ثم مدار هذا الشأن أيضا على العبادات الباطنة التي هي مساعي القلب يجب أن تعلمها من التوكل والتفويض والرضا والصبر والتوبة والإخلاص وغير ذلك . ويجب أن تعلم مناهيها التي هي أضداد هذه الأمور كالسخط والأمل والرياء والكبر لتجتنب ذلك . فهذه أيضا فرائض ونص الله تعالى على الأمر بها والنهي عن أضدادها في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) . فلابد لك من العلم الظاهر والباطن لأن للأعمال الظاهرة علائق من المساعي الباطنة تصلحها وتفسدها كالإخلاص والرياء والعجب وغيره فمن لم يعرف هذه المساعي الباطنة ووجوه تأثيرها في العبادات الظاهرة وكيفية الإحتراس منها وحفظ العمل عنها فقلما يسلم له عمل الظاهر أيضا فتفوته طاعات الظاهر والباطن . فالعامل بغير علم يفسد أكثر مما يصلح . ومن ذلك يتضح لك أن مدار أمر العبودية والخدمة لله رب العالمين على العلم وهكذا يكون نظر أولي الأبصار فإذا تبين لك من ذلك أن الطاعة تحصل للعبد ولا تسلم له إلا بالعلم فيلزم إذن تقديمه في شأن العبادة .أما الأمر الثاني : الذي يوجب تقديم العلم فهي أن العلم النافع يثمر خشية الله تعالى ومهابته . قال الله تعالى *( إنما يخشى الله من عباده العلماء )* وذلك أن من لم يعرفه حق معرفته لم يهبه حق مهابته ولم يعظمه حق تعظيمه فبالعلم يعرفه ويعظمه ويهابه فصار العلم يثمر الطاعات كلها ويحجز عن المعصية كلها بتوفيق الله وليس وراء هذين مقصد للعبد في عبادة الله سبحانه وتعالى فعليك بالعم أرشدك الله يا سالك طريق الآخرة .قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) طلب العلم فريضة على كل مسلم . فإن قلت فما هو العلم الذي طلبه فرض لازم وما الحد الذي لابد للعبد من تحصيله في أمر العبادة؟ فاعلم أن العلوم التي طلبها فرض في الجملة ثلاثة , علم التوحيد وعلم السر أعني به ما يتعلق بالقلب ومساعيه وعلم الشريعة , وأما حد ما يجب من كل واحد منها فالذي يتعين فرضه من علم التوحيد مقدار ما تعرف به أصول الدين وهو أن لك إلها عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا واحدا لا شريك له متصفا بصفات الكمال منزها عن النقصان والزوال منفردا بالقدم عن كل محدث وأن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) عبده ورسوله الصادق فيما جاء بهعن الله تعالى وفيما ورد عن لسانه من أمور الآخرة . ثم مسائل في شعائر السنة تجب معرفتها وإياك أن تبتدع في دين الله سبحانه وتعالى مالم يأت به كتاب ولا أثر فتكون مع الله سبحانه على أعظم خطر وجميع أدلة التوحيد موجود أصلها في كتاب الله سبحانه وقد ذكرها شيوخنا رضي الله عنهم في كتبهم التي صنفوها . وبإختصار كل مالا تأمن الهلاك في جهله فطلب علمه فرض لا يجوز لك تركه .وأما الذي يتعين فرضه من علم السر فمعرفة مواجبه ومناهيه حتى يحصل لك تعظيم الله تعالى والإخلاص له والنية وسلامة العمل وجميع ذلك سوف نشرحه إن شاء الله في الحلقات القادمة .وأما ما يتعين من علم الشريعة فكل ما يتعين عليك فرض فعله وجب عليك معرفتة لتؤديه وإلا فلا فهذا حد ما يلزم العبد تحصيله من العلم لا محالة وتعين فرضه بحيث لابد لك من ذلك .فإن قلت : فهل يفترض على أن أتعلم من علم التوحيد ما أنقض به جميع ملل الكفر وألزمهم حجة الإسلام وأنقض به جميع البدع وألزمهم حجة السنة؟ فاعلم أن هذا فرض على الكفاية ,غنما يتعين عليك ما تصحح به إعتقادك في أصول الدين لا غير وكذلك لا يتعين عليك معرفة فروع علم التوحيد ودقائقه والإتيان على جميع مسائله , نعم إن وردت عليك شبهة في أصول الدين تخاف أن تقدح في إعتقادك فيتعين عليك حل تلك الشبهة بما أمكن من الكلام المقنع , وإياك والمماراة والمجادلة فإنها داء محض لا دواء له فاحترز منه جهدك فإن من ارتداه لم يفلح إلا أن يتغمده الله تعالى برحمته ولطفه ثم اعلم أنه إذا كان في كل قطر داع من دعاة أهل السنة يحل الشبه ويرد على أهل البدع ويستقل بهذا العلم ويصفي قلوب أهل الحق عن وساوس المبتدعة فقد سقط الفرض عمن سواه كذلك لا يلزمك من معرفة دقائق علم السر وجميع شرح عجائب القلب إلا ما يفسد عليك عبادتك فيجب عليك معرفته لتجتنبه وما يلزمك فعله كالإخلاص والحمد والشكر والتوكل ونحو ذلك فيلزمك معرفته لبؤديه . وأما ما سواه فلا وكذلك لا يلزمك معرفة سائر أبواب الفقه من البيوع والإجارات والنكاح والطلاق والجنايات إنما كل ذلك فرض على الكفاية . فإن قلت : هذا القدر من علم التوحيد هل يحصل بنظر الإنسان من غير علم . فاعلم أن الأستاذ فاتح ومسهل والتحصيل معه أسهل وأروح والله تعالى بفضله يمنن على من يشاء من عباده فيكون هو معلمهم سبحانه وتعالى . ثم اعلم أن هذه العقبة التي هي عقبة العلم عقبة نفعها كثير فكم من تائه فيها متحير وكم من أعرض عنها وكم من سلكها في مدة يسيرة وآخر متردد فيها والأمر كله بيد الله عز وجل أما نفعه فعلى ما ذكرنا من شدة الحاجة للعبد إليه وبناء أمر العبادة كله عليه خاصة علم التوحيد وعلم السر . فابذل نفسك في الإخلاص في طلب العلم وليكن الطلب طلب دراية لا طلب رواية . واعلم أن الخطر عظيم فمن طلب العلم ليصرف به وجوه الناس إليه ويباهي به النظراء فتجارته بائرة وصفقتة خاسرة . وإياك إياك أن يزين لك الشيطان فيقول لك إذا كان قد ورد هذا الخطر العظيم في العلم فتركه أولى . فلا تظنن ذلك فلقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال اطلعت ليلة المعراج على النار فرأيت أكثر أهلها الفقراء قالوا يا رسول الله من المال قال لا بل من العلم فمن لا يتعلم العلم لا يتأتى له أحكام العبادات والقيام بحقوقها كما ينبغي فشمر في طلب العلم بالبحث والتلقين والتدريس واجتنب الكسل . والخلاصة : أنك إذا نظرت في دلائل صنع الله عز وجل وأمعنت النظر علمت أن لك ولنا إلها قادرا عالما حيا مريدا سميعا بصيرا متكلما منزها عن كل نقص وأنه لا يوصف بصفات المحدثين ولا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين ولا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شئ ولا تتضمنه الأماكن والجهات ونظرت في معجزات الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) واعلام نبوته علمت أنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأمينه على وحيه واعلم أن الله موجود وليس في جهة محدودة وأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه لا يكون في الملك والملكوت فلتة خاطر ولا لفتة ناظر إلا بقضاء الله تعالى وقدره وإرادته ومشيئته وأنه لا واجب على الله تعالى لأحد من خلقه فمن أثابه فبفضله ومن عاقبه فبعدله . وما ورد على لسان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من أمور الآخرة كالحشر والنشر وعذاب القبر وسؤال منكر ونكير والميزان والصراط فهذه أصول درج السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين على إعتقادها والتمسك بها ووقع عليها الإجماع قبل تنوع البدع وظهور الأهواء نعوذ بالله من الابتداع في الدين واتباع الهوى بغير دليل . ثم إنك إذا نظرت في أعمال القلب والمواجب الباطنة والمناهي التي سوف نذكرها إن شاء الله في الحلقات القادمه , ثم تعرف جملة ما تحتاج إلى استعماله كالطهارة والصلاة والصوم ونحوه فإن عملت بعلمك وأقبلت على عمارة معادك فلقد سرت من علماء أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وكنت عبدا عالما عاملا لله تعالى على بصيرة غير جاهل ولا مقلد ولا غافل فلك الثواب الجزيل بإذن الله وتكون قد قطعت هذه العقبة وخلفتها وراءك وقضيت حقها بإذن الله تعالى والله سبحانه يمدك وإيانا بحسن توفيقه تيسيره فهو أرحم الراحمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . إلى هنا إنتهت بإذن الله العقبة الأولى وهي عقبة العلم ونتابع معا إن شاء الله في الحلقات القادمة باقي العقبات وكيفية التغلب عليها وتخطيها . وسوف نتكلم في الحلقة القادمة عن العقبة الثانية وهي عقبة التوبة إن شاء الله .أرجو ألا أكون أثقلت عليكم ......نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون إلى القول فيتبعون أحسنه ........والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته

ليست هناك تعليقات:

فوتوماجيك